سيد محمد طنطاوي
132
التفسير الوسيط للقرآن الكريم
وكرر - سبحانه - لفظ « الميزان » للتنبيه على شدة عناية اللَّه - تعالى - بإقامة العدل بين الناس في معاملاتهم ، وفي سائر شؤونهم ، إذ بدونه لا يستقيم لهم حال ، ولا يصلح لهم بال ، ولا يستقر لهم قرار . . . ثم انتقلت السورة الكريمة ، إلى بيان جانب من مظاهر نعمه الأرضية ، فقال - تعالى - : * ( والأَرْضَ وَضَعَها لِلأَنامِ ) * . والمراد بالأنام : الخلائق المختلفون في ألوانهم وأشكالهم وألسنتهم ، والذين يعيشون في شتى أقطارها وفجاجها . . . وهو اسم جمع لا واحد له من لفظه . أي : والأرض « وضعها » أي : أوجدها موضوعة على هذا النظام البديع ، من أجل منفعة الناس جميعا ، لأن إيجادها على تلك الصورة الممهدة المفروشة . . جعلهم ينتفعون بما فيها من كنوز وخيرات ، ويتقلبون عليها من مكان إلى آخر . . وصدق اللَّه إذ يقول : هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ ما فِي الأَرْضِ جَمِيعاً . . . وقوله - سبحانه - : * ( فِيها فاكِهَةٌ والنَّخْلُ ذاتُ الأَكْمامِ . والْحَبُّ ذُو الْعَصْفِ والرَّيْحانُ ) * ، بيان لبعض ما اشتملت عليه هذه الأرض من خيرات . والفاكهة : اسم لما يأكله الإنسان من ثمار على سبيل التفكه والتلذذ ، لا على سبيل القوت الدائم ، مأخوذة من قولهم فكه فلان - كفرح - إذا تلذذت نفسه بالشيء . . والأكمام : جمع كمّ - بكسر الكاف - ، وهو الطلع قبل أن تخرج منه الثمار . وقوله : * ( ذُو الْعَصْفِ ) * أي : ذو القشر الذي يكون على الحب ، وسمى بذلك لأن الرياح تعصف به . أي : تطيره لخفته ، أو المراد به الورق بعد أن ييبس ومنه قوله - تعالى - : فَجَعَلَهُمْ كَعَصْفٍ مَأْكُولٍ . والريحان : هو النبات ذو الرائحة الطيبة ، وقيل هو الرزق . أي : في هذه الأرض التي تعيشون عليها أوجد اللَّه - تعالى - الفاكهة التي تتلذذون بأكلها ، وأوجد لكم النخيل ذات الأوعية التي يكون فيها الثمر . . وأوجد لكم الحب ، الذي تحيط به قشوره ، كما ترون ذلك بأعينكم ، في سنابل القمح والشعير وغيرهما . وأوجد لكم النبات الذي يمتاز بالرائحة الطيبة التي تبهج النفوس وتشرح الصدور ، فأنت ترى أنه - تعالى - قد ذكر في هذه الآيات ألوانا من النعم ، فقد أوجد في الأرض الفاكهة للتلذذ ، وأوجد الحب للغذاء ، وأوجد النباتات ذات الرائحة الطيبة .